عبد الله بن محمد بن شاهاور الرازي
186
منارات السائرين إلى حضرة الله ومقامات الطائرين
الظلام ، افترش أهل المحبة للّه أقدامهم وقد أشرف الجليل سبحانه وتعالى عليهم فنادى : بعيني من تلذذ بكلامي واستراح إلي ، فإني مطلع عليهم في خلواتهم ، أسمع بكاءهم وأرى أنينهم . . فلم لا تنادي فيهم يا جبريل . ما هذا البكاء الذي أسمعه منكم ؟ هل أخبركم أحد أن حبيبا يعذب أحباءه ؟ وهل يجمل بي أن أعذب أقواما وعند البيات أحدهم يطلب مرضاتي ، فبي حلفت أنهم إذا وردوا علي يوم القيامة جعلت هديتي لهم أن أكشف لهم عن وجهي حتى ينظروا إلي وأنظر إليهم . كما سمعت بعض الحكماء يوصي رجلا يقول له فيما يقول : وكن لربك ذا حب لتخدمه * إن المحبين للرحمن خدام [ دأب المحبين ] وإن من دأب المحبين وهجيرهم كثرة الذكر لمحبوبهم على طريق الدوام والاستقامة بالأقوال والأعمال والأحوال كما مر ذكره ، ولا ينقطعون ولا يملون ولا يفترون ، وكيف يفترون وبذكره يتروحون . وقد أجمع الحكماء أن من أحب شيئا أكثر من ذكره فذكر اللّه هو الغالب على قلوب المحبين للّه - عز وجل - لا يريدون به بدلا ولا يبغون عنه حولا ، ولو قطعوا عن ذكر سيدهم لفسد العيش عليهم وتشتتوا في أمورهم ولتنغصوا في أحوالهم . وذكر اللّه هو المستولي على همومهم وعقولهم ، كما قال فتح الموصلي رحمة اللّه عليه : إيثار محبة اللّه تعالى على محبة نفسك من علامة حبك للّه - عز وجل - . فالمحب للّه سبحانه لا يجد مع الحب للّه لشيء لذة ولا يغفل عن ذكر اللّه تعالى . وقال فرقد السبخي في بعض الكتب : أن ينال المحبون للّه تعالى من طول اجتهادهم يحبونه ويحبون ذكره ويحببونه إلى خلقه : يمشون بين عباده بالنصائح ويخافون عليهم يوم تبدو الفضائح ، أولئك أولياء اللّه وأحباؤه وأهل صفوته ، وأولئك لا راحة لهم دون لقائه . وقال بعض الحكماء : ما تلذذ المتلذذون بشيء ألذ من حب اللّه - عز وجل - ومحبة ذكره ويروى عن أبي نوح قال : سمعت رجلا من العباد يقول : إذا سأم الطالبون من طلبهم فلن يسأم محبوك من ذكرك ومناجاتك . وكانت رابعة تقول إذا جنها الليل : قد جاء الليل واختلط الظلام وخلا كل حبيب بحبيبه وخلوت بك يا محبوب . وقال سمنون : ذهب المحبون للّه بشرف الدنيا والآخرة ، لأن النبي - صلّى اللّه عليه وسلم - قال : « المرء مع من أحب » « 1 » . فهم مع اللّه تعالى .
--> ( 1 ) هذا الحديث سبق تخريجه .